الرياضةُ والشباب بنَفَـسٍ جديد

لـ إبراهيــم الصواعـي

أصبح للشباب مؤسسة خاصة مجدداً ترتقي بطموحاتهم بعد دمج وإعادة هيكلة المؤسسات المعنية بالثقافة والرياضة والشباب لتعكس رؤية عُمان ٢٠٤٠ والتي دعت إلى الإنسجام بين الأدوار المؤسسية حتى تتجنب الأزدواجية، وما نتج عنها من بطء في تنفيذ الخطط الاستراتيجية والبرامج والمشاريع.

ما تتطلبه المرحلة من وزارة الثقافة والرياضة والشباب هو مشروع وطني وتوجه استراتيجي وبيئة محفزة؛ لديها القدرة في الاعتماد على الشباب كمحرك اقتصادي باستطاعته تحسين موقع عُمان في شتى المجالات، وهذا ما يتطلب أنظمة وقوانين وتشريعات تحدد الأدوار والمسؤوليات من جديد، ومن ثم ترسم استراتيجية واضحة الملامح؛ نفصل من رسمها عن من ينفذها ومن يتابعها، حتى تصبح الرياضة فعلياً مساهمة اقتصادياً ومنافسة عالمياً.

لم تكن الاستراتيجية الخاصة بالشباب في اللجنة الوطنية للشباب و وزارة الشؤون الرياضية سابقاً واضحة الملامح، ولم تكن هنالك مؤشرات أداء كمقياس حقيقي لمعرفة مدى تأثيرها على الأهداف التي تم تحديدها، وبالتالي أصبحت المشاريع والبرامج متكررة غير متجددة، ولم تحظ بالمتابعة لتطويرها بشكل مستمر. وهذا ما يؤكد غياب الرياضة عن مشهد رؤية عُمان ٢٠٤٠ حتى جاءت بعد عرض الوثيقة بالعام الفائت، وقد وضعت ضمن المرحلة العشرية الأخيرة للرؤية، وبالتالي تم إيجادها وهي الآن فرصة سانحة لتقييم الوضع الحالي ومن ثم استشراف مستقبل عمل المؤسسة حتى تنطلق بخارطة طريق واضحة الملامح بمشاركة واسعة من صانعي القرار مع الأطراف ذات العلاقة، بجانب تحليل مكامن القوة والبناء عليها، وتحديد نقاط الضعف وتداركها بالفرص المتاحة.

نعم هنالك قضايا رئيسية يمكن قياسها وتحديد أثرها السلبي، فالاحصائيات تشير حسب المسح الوطني للفترة ٢٠٠٨-٢٠١٨ بأن الرياضة لم تعزز من ثقافة النشاط البدني وأكتفت باحتفالها السنوي لذلك؛ فقد تجاوزت نسبة ٤٦٪؜ من العمانيين لايمارسون النشاط البدني، كما ان ٦٦٪؜ مصابون بالسمنة من المشمولين بالامراض الغير سارية، واكثر من ٧٠٠٠ مريض سكري سنوياً بالسلطنة، بينما نصف العُمانيات لا يمارسن نشاطاً بدنياً؛ فالأمر يستدعي الانتباه حقاً، وهذا ما يسبب عبء اقتصادي على كاهل الدولة.

في الجانب الآخر أصبح لزاماً أن تتوافق الهيكلة الجديدة واختصاصاتها مع عمل وأهداف كل الأندية، ونحن نعلم بأنها باتت شبه مهجورة وأصبح الصعود للأعلى سهلاً بسبب غياب المنافسة الحقيقية لوجود أنظمة تساهم في بقاءهم بشكل متجدد؛ فأغلب الأندية من يتصدر مشهدها ليس لديهم القدرة على قيادتها، وأصبحت تعلّق أنشطتها بسبب المديونيات المتراكمة لنشاط كرة القدم فقط، ومن ثم تطالب بنفس القدر من المعونة السنوية التي تتقاضاها الأندية المشاركة، وهذا ما جعل الأندية تعيق تقدم المؤسسة وتؤثر بشكل سلبي على تقديم نقلة نوعية في القدرة على احتواء الطاقات الشبابية، فهل من الممكن أن لا تعتمد هذه الأندية على الدعم الحكومي المستمر في ظل الصرف العشوائي الذي تشهده؟ أم هنالك حلول قد تقلص عدد الأندية كما تم ذلك في مراحل سابقة بعد أن كانت ٥١ نادياً؟ وهل سنرى بالمرحلة المقبلة تشريعات تضمن تطور عمل الاندية واستدامتها؟ ليس فقط على مستوى الدعم المالي وانما حتى على الصعيد الاداري والرياضي؛ لما تعانيه هذه الاندية من مستقبل غير مستدام ادارياً ومالياً.

مقلق جداً هذا التنازل المجتمعي الواضح من الشباب نحو الاندية، كما أن المستهدف من البرامج لا يتماشى مع الأهداف المرسومة، وهذا ما يتطلب أولاً إعادة النظر في القيمة التي نسبغها اتجاه هذه المؤسسة المجتمعية المهمة، فمن غير المعقول بأن تشهد الأندية تطور على مستوى البنية التحتية بمشاريع ضخمة، ومن ثم لا تجد من يرتادها، في حين تطالب الأندية بتناقض إيجاد تسهيلات في الاستثمار وغيرها من المنح، بجانب ما نلاحظه بأن مؤشر ميول الشباب للرياضة والأنشطة يتناقص بشكل ملحوظ بواقعية منطقية وهي بأننا لا نستطيع الوصول إليهم ، ونحن في بلد يفوق عدد شبابه مليون فرد؛ نعم هنالك أيضاً مؤسسة أخرى تعنى بالشباب سابقاً بالرغم ما يحيط بنا من برامج وأنشطة إلا أن أبرز تحدياتها كانت القدرة الاستيعابية من الموظفين حتى تصل برسالتها لجميع الشباب في كافة المحافظات؛ ولكن الآن أصبحت الفرصة متاحة بشكل كبير، وهذا ماسيشكل من خلاله فرص اتساع دائرة المستفيدين من البرامج، حينها ستكون الحصيلة والاحصائيات مبنية على أرقام من الممكن قياسها بشفافية، نستيطع بناء عليها معطيات كثيرة قد تقرب الشباب اكثر من اصحاب القرار.

الجميع بهذه المرحلة المهمة استبشر بالتغيير، صاحبه نشاط حميم على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ولكن هذه المرحلة أيضاً بحاجة إلى روح جديدة تؤمن بأن رؤية عُمان ٢٠٤٠ ستتحقق بسواعد شبابها إن كنّا نؤمن بالفعل بالنموذج التشاركي في صناعتها، وهذا ما يتطلب برفع الكفاءة الإدارية قبل كل شيء بما يتوافق مع التوجه الاستراتيجي ومن ثم تحديد الأولويات وعدم الازدواجية؛ فمن غير المعقول مثلاً بأن الوزارة تقوم بالإشراف على برامج من المفترض أن تقوم بها الهيئات الخاصة، كمركز إعداد الناشئين وغيرها، فلم تحقق النتائج المرجوة ولم تستفيد منها سوى بعض الأندية القريبة من أصحاب القرار، بجانب أن المخرجات الفنية لم تصل بعيداً-لأسباب سنتحدث عنها لاحقاً- مما يدعونا بأن يكون لكل اتحاد مسؤولية تحديد برامجه التطويرية مع إشراف ومحاسبة من الوزارة بشكل مستمر حتى نستطيع الارتقاء بمستوى المنتخبات الوطنية، وقد لاحظنا بأن الاختصاصات المباشرة للهيكلة الجديدة قد حددت أبرز ملامح المرحلة المقبلة لتفعيل دور القطاع الرياضي والشبابي في دفع مسيرة التطوير، خصوصاً بأن أغلب الأولويات والقضايا الرئيسيّة لكل مايخص الرياضة والشباب ليست بحاجة إلى الدعم المالي بقدر ما تحتاجه إلى حزمة من التشريعات مع مشاركة حقيقية وبشكل واسع من القطاع الخاص.

كل هذا بالرغم من دلالته، يبقى البعد الاجتماعي في بلدنا الحبيبة عُمان دائم ومستمر لانه مرتبط بالشخصية العُمانية وهويتها، بجانب ما أكد عليه جلالة السلطان-حفظه الله وأبقاه- في خطابه التأسيسي باعتبار الشباب مورد بشري ومحرك أساسي في دفع مسيرة التنمية الشاملة، فكل المؤشرات تؤكد بأن الشباب مستعد وقادر، وكل ما هم بحاجته هو الثقة وتقوية مشاركاتهم بالمهارات اللازمة.